ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
106
الوشى المرقوم في حل المنظوم
بمصطلح « التناص » هذا الذي يدور على ألسن العامة والخاصة . يستوى فيه تضمين بعض العبارات بلفظها في ثنايا الكلام ، أو استخدام شفرة معينة تشير إلى نسق نصى آخر « لأن أي عمل يكتسب ما يحققه من معنى بقوة كل ما كتب قبله من نصوص ، كما أنه يدعونا إلى اعتبار هذه النصوص الغائبة مكونات خاصة نستطيع بإدراكها فهم النص الذي نتعامل معه وفض مغاليق نظامه الإشارى » « 1 » . وفي مقابل هذه الوعورة في تعريف التناص ، نجد تعريف ابن الأثير أقرب مأخذا ، وأيسر وصولا لإدراك معناه ، رغم مرور ما يقرب من ثمانية قرون على وفاته ، وذلك من خلال توضيحه كيف أخذ معنى بيتين وحلهما في إحدى رسائله « . . . فلما أردت أن اخذ هذا المعنى ورّيت في أخذه عن الطريق المعهودة ؛ فمثلته بمثال ملائم . . . ثم أتبعت ذلك بما ينسحب على أثره من معان أخر . وخرجت فيها إلى معرض العتاب آخرا . وهكذا ينبغي أن تؤخذ المعاني على حكم الاختلاس ، لا على حكم الافتراس . وعلى سبيل المساترة ، لا على سبيل المجاهرة » « 2 » . وهذا التعريف يكاد يتطابق مع تعريف آخر للدكتور والترج . أونج ( 1912 - ) الذي يرى أن ثقافة المخطوطات تعتبر « التناص أمرا مسلما به ، وبما أنها لا تزال ملتصقة بالتقليد المألوف للعالم الشفاهي القديم فقد عمدت إلى إبداع نصوص من خلال نصوص أخرى ، فاستعانت وحورت وأخذت بنصيب من الصيغ والموضوعات الشائعة الشفاهية الأصل ، وإن كانت قد أدخلتها في مزيج من الأشكال الأدبية الجديدة التي يتعذر وجودها دون الكتابة » « 3 » . الفارق بين تعريف ابن الأثير ، وتعريف الأمريكى والتر يكاد يكون ضيقا ، مع سبق صاحبنا ووضوح عبارته ، ونقاء الصورة التي تمثل نوعا من المقاربة التوضيحية لما أراد ابن الأثير تبليغه لمن يريدون أن يتعلموا صناعة الكتابة .
--> ( 1 ) السابق / 79 . ( 2 ) انظر ص 330 . ( 3 ) الشفاهية والكتابية / 240 ، عالم المعرفة - الكويت .